في مطلع سنة 2026، أعلن المركز الفِضّي للثقافة والإبداع – المغرب عن صدور كتاب جديد للدكتورة أميمة بونخلة، يتناول موضوع المهارات الحياتية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، في عملٍ علمي-تربوي يندرج ضمن جهود تجديد الخطاب التعليمي في حقل الدراسات الإسلامية، وربط التكوين المعرفي بالبناء الإنساني المتكامل.
ينطلق هذا الإصدار من أطروحة مركزية مفادها أن المهارات الحياتية ليست ترفًا معرفيًا يُضاف إلى المقررات الجامعية، ولا تدريبًا عابرًا على بعض تقنيات التواصل، بل هي بناء متكامل للإنسان في أبعاده الوجدانية والفكرية والاجتماعية، مستندًا إلى هدي الوحي ومقاصد الشريعة. وتسعى المؤلفة إلى تأصيل هذا المفهوم تأصيلًا شرعيًا رصينًا، يُبرز جذوره في مقاصد الإسلام، ويكشف عن عمقه في تجارب العلماء والمربين الذين نظروا إلى طلب العلم بوصفه طريقًا لتزكية النفس، وجعلوا العمل بالعلم معيارًا للصدق والإخلاص.
ويؤكد الكتاب أن الطالب الجامعي، ولا سيما طالب العلوم الشرعية، في حاجة إلى ما يتجاوز التلقي النظري للمعلومات إلى ما يصوغ شخصيته، ويوجه إرادته، ويضبط سلوكه في الواقع. فالمعرفة، من دون مهارات تُحسن إدارتها وتنزيلها، تبقى قاصرة الأثر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدريب الطالب على مهارات إدارة الذات، وتحديد الأولويات، وتنظيم الوقت، وتجويد التواصل، ليجمع بين فقه الدين وفقه النفس، وبين فهم النص وإدراك الواقع. وتستحضر المؤلفة في هذا السياق دلالات الوحي، مثل قوله تعالى:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، وقول النبي ﷺ: «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم»، لتؤكد أن العلم والخلق والمهارة كلها مكتسبات تُنال بالمجاهدة والممارسة والصبر.
كما يُبرز الكتاب أن التعليم في الإسلام لم يكن يومًا قائمًا على الحفظ والتلقين وحدهما، بل كان مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان المؤمن الفاعل في مجتمعه. فقد ربّى النبي ﷺ أصحابه على فقه التوازن ومراعاة الواقع، فجمعوا بين العبادة والعمل، وبين الخلوة والجماعة، وبين الورع والإنتاج. ومن هذا الإرث النبوي تستمد فكرة المهارات الحياتية مشروعيتها، بوصفها جسرًا يصل العلم بالسلوك، والفهم بالممارسة.
ويضع هذا الإصدار المهارات الحياتية في سياقها الأكاديمي الصحيح، باعتبارها مادة تربوية تهدف إلى تنمية الكفايات الذاتية والاجتماعية لطلبة الجامعة، وخاصة طلبة العلوم الشرعية، دون أن تنفصل عن هويتهم الحضارية والدينية. ويُبيّن أن تدريس هذه المادة في المسارات الشرعية لا يُعد خروجًا عن التخصص، بل هو استكمال له، لأن الشريعة لا تقف عند حدود بيان الأحكام، بل تمتد لتربية الإنسان على حسن الاختيار، وترشيد السلوك، وضبط العلاقات، بما يخدم الجماعة ويُسهم في إعمار الأرض.
ولا يدّعي الكتاب أن صفحاته تمثل بحثًا علميًا صارم المنهج، بقدر ما هي محاولة واعية لجمع الموضوعات، وربطها بتخصص الدراسات الإسلامية، وإبراز دور المهارات الحياتية بوصفها مكوّنًا جوهريًا في التكوين العلمي والأخلاقي. وهو في ذلك يزاوج بين الخطاب الأكاديمي والخطاب القيمي، ويقترح رؤية تجديدية للتعليم الشرعي تُعلي من شأن المهارات العملية والنفسية، مع الحفاظ على العمق المعرفي والأخلاقي للمعرفة الإسلامية.
وبهذا الإصدار، تُضيف الدكتورة أميمة بونخلة لبنة جديدة إلى مشروعها العلمي في مجال التربية والقيم، مؤكدة أن مستقبل التعليم الشرعي مرهون بقدرته على تخريج عالمٍ متوازن، يجمع بين الرسوخ العلمي، والنضج النفسي، والكفاءة العملية، ليكون العلم فيه نورًا يهدي السلوك، لا معرفةً معزولة عن الحياة.
