كتاب تجارب الدراسات البينية حول العالم وآليات الاستفادة منها في المنطقة العربية
التصنيف: كتاب More Detailsتعدُّ الدراسات البينية واحدة من المعارف أو العلوم حديثة النشأة، وهي تمثل مدخلاً أساسيًا يمكن الاعتماد عليه في كيفية معالجة بعض القضايا العالمية المعقدة من خلال تنوع المقاربات الأكاديمية، مما يؤدي إلى تطورات ابتكارية، وعلى سبيل المثال؛ ساهمت المراكز البحثية ذات النماذج البينية، مثل مركز Stanford Bio-X في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة في تعزيز قدرات العمل متعدد التخصصات من خلال إنشاء مراكز بحثية ومناهج دراسية مرنة. وتُسهم هذه البرامج البحثية واستراتيجيات تطوير الكفاءات لدى طلبة الدراسات العليا في تلبية متطلبات سوق العمل العالمي، كما تزيد من كفاءة الإنتاجية العلمية وجحمها.
فيما يتعلق بتبنّي مناهج الدراسات البينية (أو المناهج متعددة التخصصات) في الجامعات العربية، فهذه الجامعات تواجه العديد من العقبات والتحديات الناتجة عن الهياكل الأكاديمية الجامدة في ظل ندرة الموارد. ومن الجدير بالذكر أنَّ تبنِّي المناهج متعددة التخصصات يشتمل على عديد من الفوائد ذات أهمية كبيرة لتنمية الدول العربية، ولعل أبرزها: المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والحد من نسب البطالة لدى فئة الشباب، وتسريع التحول الرقمي في المجتمع.
جاء الإعلان عن هذا الكتاب بهدف الاطلاع على تجارب العديد من الدول المتقدمة في الدراسات البينية، والتعرف على الدروس المستفادة التي يمكن الاستئناس بها في الجامعات العربية من أجل الخروج من القوالب الجامدة التي عملت في إطارها أغلب الجامعات العربية خلال عشرات السنوات الماضية، خاصة في ظل التغيرات الدراماتيكية الكبيرة التي يشهدها العالم في الطب والهندسة وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي والصناعات الخفيفة والثقيلة والبرمجيات.
كما جاء الإعلان عن هذا الكتاب تأكيداً لتطلعات مركز ابن العربي للثقافة والنشر من فلسطين في جوانب عديدة من البحث العلمي، حيث تمَّ الإعلان عنه وإنجازه في خضم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتي انطلقت يوم 7 أكتوبر 2023م، وتزامن ذلك ما انقطاع خدمات الإنترنت والكهرباء، فصارت حياة الغزيين معلقة بين العصور القديمة وعصر التقدم التكنولوجي، وكان من الصعب على أي باحث أن ينجز أعماله البحثية نتيجة للمعيقات التي أنتجتها الحرب.
اشتمل الكتاب على ثمان مداخلات، وشارك في إعدادها عشرة باحثين من فلسطين وعُمان والعراق والمغرب، وتم إخضاع المداخلات للفحص عبر برنامج التشابهات، كما تمَّ تحكيمها من قبل لجنة علمية ترأستها الأستاذة الدكتورة سوسن البياتي من العراق، وبعد ذلك تمَّ تدقيق الأبحاث لغوياً.

* * *
في المداخلة الأولى التي حملت عنوان (آليات الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في تشجيع الدراسات البينية (المتعددة التخصصات) في الجامعات العربية)، وهدفت المداخلة التي كتبها كل من الدكتور أحمد دلول؛ رئيس مجلس إدارة مركز ابن العربي للثقافة والنشر، والأستاذة فاطمة المغيري الموظفة في وزارة التربية والتعليم في سلطنة عُمان، وهدفت المداخلة إلي توضيح كيف يمكن للجامعات العربية أن تستفيد من تجارب الدول المتقدمة في تعزيز التعليم والبحث العلمي البيني ومتعدد التخصصات بما يلبي حاجات المنطقة العربية ويحقق أهدافها، مثل تحقيق التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد. ومن خلال قراءة الأنشطة المنفذة في أمريكا الشمالية وأوروبا وجنوب شرق آسيا، تكشف الدراسة عن ممارسات يمكن تطبيقها بنجاح في العالم العربي، مثل إنشاء مراكز بحثية بينية، ومرونة المناهج الدراسية، وأطر التعاون البحثي. وأشارت الدراسة إلى أنَّ نجاح الدراسات البينية في الدول المتقدمة لم يتحقق صدفة، بل جاء نتيجة لاستثمارات مالية موجّهة، وتطوير بنى تحتية مناسبة، وبرامج تدريب للعاملين في المجال الأكاديمي. كما أنَّ الدراسات البينية ازدهرت عندما توفرت الإرادة السياسية، والدعم المالي، والممارسات المؤسسية التي تشجع على الابتكار والتعاون، وهي كلها دروس يمكن أن تستفيد منها الجامعات العربية بشكل كبير في حال تكييفها وفق السياق الإقليمي.
* * *
وفي المداخلة الثانية التي تقدمت بها الباحثة العراقية م.م. زينة كامل فضالة: والتي جاءت تحت عنوان (أوجه الاستفادة من الدّراسات البينيّة في علوم اللُّغة) فقد رأت أنَّ المنهج البينيّ أصبح ضرورة في ميادين العلوم اللُّغويّة، التي زادت حاجتها للتكامل مع التخصصَّات الأُخرى؛ لخلق اتجاهات تكامليّة، تتوافق مع تطورات وتغيُّرات العصر، ضمن إطار معرفيّ أكاديميّ قائم على مبدأ التَّكامل والتَّعاون يسمح بفهم أعمق للُغة. وقد اقتضت طبيعة البحث أنْ يشتمل على مُقدّمة، وتمهيد: تضمن مفهُوم الدّراسة البينيّة، ونشأتها، وأهدافها، ومبحثين، واعتبرت الدراسة أنَّ الدّراسات البينيّة من التَّخصصَّات المعرفيّة الجديدة التي اعتمدت في فهم اللُّغة، وتطوير منهجيات بحثها اللُّغويّ، وتقديم حقولًا معرفيّة جديدة، ساهمت في تقديم رُوئ علميّة حديثة في مجالات مُختلفة من فروع اللُّغة.
* * *
وجاءت المداخلة الثالثة للباحثة العراقية ندى محمد حسين بعنوان (تحوّلات اللغة في السياق الاجتماعي: مقاربة سوسيو- لسانية في ضوء الدراسات البينية)، وذلك بهدف مقاربة اللسانيات الاجتماعية بصفتها ابرز الاتجاهات الابستمية الحديثة التي أسهمت في تطوير الدراسات العلمية والإنسانية معًا، إذ ارتقت بتفسير اللغة من منظور علاقتها بالبنية الاجتماعية، وربطت التحليل اللساني بمستجدات الأبحاث السوسيو- لسانية، وذلك بالاعتماد على نهج سوسيو- لساني مقارن ووصفيا يحلل أنماط التواصل اللغوي داخل الجماعات الكلامية، ويرصد التغيرات التي تطرأ على الاستعمالات اللغوية بفعل الحراك الاجتماعي. ورأت الباحثة أن اللغة ليست مجرد نسق داخلي مغلق؛ بل هي كيان اجتماعي حيوي يتغير تبعا لعوامل الهوية والمجتمع والمقام التواصلي، وعليه فقد أوصت بضرورة توسيع دائرة البحث اللساني العربي ليشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والحضارية.. الخ للغة بما يفتح آفاقا جديدة أمام الدراسات البينية، ويعزز حضور اللغة كفاعل أساسي في تشكيل الهوية وبناء المجتمع.
* * *

تناولت المداخلة الرابعة للباحثة العراقية الدكتورة رشا محمد حسين في مداخلتها التي حملت عنوان (الانفعال في الخطاب العربي مقاربة نفسية لغوية في ضوء الدراسات البينية) العلاقة البينية بين اللغة والانفعال، من خلال تحليل الكيفية التي انعكست بها الحالات الشعورية للمتكلم أو الكاتب في التعبير اللغوي. وقد استند البحث إلى نماذج مختارة من النصوص العربية القديمة والحديثة، وفي مقدمتها الشعر العربي الذي عُدّ مجالًا ثريًّا لتجليات الانفعال وطرائق التعبير عنه بمختلف أساليبه البلاغية والفنية، فضلًا عن نصوص نثرية وخطابية أظهرت عمق البعد النفسي في الخطاب العربي. وتجلّت أهمية مداخلتها في إبراز دور اللغة العربية -شعرًا ونثرًا- بوصفها وعاءً للشعور الإنساني ووسيلة للتأثير والإقناع، وهو ما أسهم في إثراء الدراسات البينية التي ربطت بين العلوم النفسية واللغوية، كما عزّز الوعي النقدي والتربوي بكيفية توظيف الخطاب في تمثيل التجربة الشعورية وتوجيهها، وأوصت الباحثة بضرورة تعميق الدراسات البينية بين علم النفس والبلاغة العربية لتطوير فهم أشمل للانفعال في النصوص القديمة والمعاصرة، وتكثيف البحث في الخطاب القرآني من منظور نفسي بلاغي، بغية الكشف عن كيفية تحريك الانفعال وتوجيهه في إطار التربية الروحية.
* * *
وحاول الباحث الفلسطيني الدكتور فهمي شراب في المداخلة الخامس أن يجيب عن سؤال مهم (كيف تستفيد العلوم السياسية من الدراسات البينية؟)، وأبرزت مداخلته أن هناك العديد من المجالات التي تستفيد منها العلوم السياسية من العلوم البينية، وهذه الفائدة تتمحور حول العديد من مجالات التكامل بينهما والتي تؤدي لنشر الفائدة بين هذه العلوم مقارنة بالعلوم السياسية، لكن وعند الخوض في هذا الموضوع وجد الباحث العديد من التحديات والمعيقات التي تقف حجر عثرة أمام العلوم السياسية في تكامله مع العلوم البينية الأخرى، وتوصلت المداخلة إلى العديد من النتائج، لعل أبرزها أنَّ هناك العديد من التحديات التي تواجه العلوم السياسية كأحد فروع الدراسات البينية، والتي تتمثل في مقاومة العديد من المتخصصين للفكرة بدعوى فقدان التخصصية، وصعوبات وعوائق معرفية، وضعف التمويل لمشروعات بحثية بينية، إضافة إلى التحيز، علماً أنَّ الدراسات البينية تبحث في العديد من التخصصات المتقاربة مع العلوم السياسية والتي يمكن للباحث عند دراسته للسياسات العامة وتحليلها ووضعها أمام صناع القرار السياسي أن يبحث في مناهج متقاربة مع العلوم السياسية للتحليل من زوايا مختلفة للوصول إلى الهدف.
* * *
أمَّا الدكتورة أميمة بونخلة؛ الكاتبة المغربية المتخصصة في الفكر الإسلامي، والتي جاءت مداخلتها بعنوان (الدراسات البينية في اليابان: نحو تكامل معرفي) فقد استعرضت بعض التحولات النوعية التي شهدتها البيئة الأكاديمية اليابانية في العقود الأخيرة، وخاصة ما يتمثَّل في تبني نهج الدراسات البينية كمقاربة علمية جديدة هدفت إلى تجاوز الانفصال التقليدي بين التخصصات، واستيعاب تعقيدات الواقع الإنساني المعاصر، سعيًا لإنتاج معرفة أكثر شمولية وقدرة على فهم الإشكاليات المعقدة والمتشابكة، مثل التغيرات البيئية المتسارعة، وتحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات القيمية التي يشهدها المجتمع، كما سلَّطت الأضواء على تجربة اليابان الرائدة في تجاوز حدود التخصص الصارم، والسعي نحو بلورة نموذج علمي إنساني قادر على ربط العلم بالقيم والمجتمع. ورأت الباحثة أنَّ تبني اليابان الدراسات البينية لم يكن مجرّد توجه أكاديمي محض، بل جاء استجابة لأزمة وطنية وعالمية، تحتمت التفكير بمرونة أكبر وتجاوز حدود التخصصات الجامدة، من أجل مواجهة تحديات معقدة تتطلب حلولاً متكاملة وشاملة.
* * *
وفي دراسته التي حملت عنوان (توظيف الدراسات البينية في علم العلاقات الدولية بين الضرورة والمعوقات)؛ حاول الباحث المغربي في القانون العام الدكتور هشام الميموني تبيان أهمية توظيف الدراسات البينية في علم العلاقات الدولية، بشكل يسهم في معالجة الظواهر الدولية، والمعوقات التي قد تواجهها، وأظهرت دراسته أنَّ الدراسات البينية تعد توجها بحثيا معاصرا، يهدف إلى تحقيق التكامل المعرفي بين مختلف التخصصات العلمية، كالتعاون بين علم العلاقات الدولية والعلوم الأخرى، للوصول إلى معرفة متميزة قادرة على معالجة القضايا والإشكالات المدروسة، كالظواهر الدولية التي تصعب دراستها بالاعتماد على علم العلاقات الدولية فقط، بالإضافة إلى دورها في تحقيق الابتكار العلمي، الذي يعزز القدرة على المعالجة الشاملة.
* * *
أمَّا المداخلة الثامنة والأخيرة التي حملت عنوان (الدراسات البينية كمدخل لتطوير بحوث الإدارة التربوية: رؤية استشرافية) والتي قدمها كل من الأستاذ الدكتور محمود خلف الله والدكتورة مروة الأضم من فلسطين فقد هدفت إلى معرفة أهمية توظيف مدخل الدراسات البينية في بحوث الإدارة التربوية، واستشراف مستقبل توظيف ذلك المدخل، واقتراح إجراءات لتوظيفه في بحوث الإدارة التربوية. واتبع المنهج الوصفي بأسلوبيه التحليلي والاستشرافي، واستخدمت الاستبانة، وأسلوب دلفاي، إذ طبقت الاستبانة على (57) من باحثي الإدارة التربوية، وتمت الاستعانة بـ(13) خبيرًا تربويًّا خلال جولات دلفاي، وأسفرت المداخلة عن عدد من النتائج، أهمها أنَّ موافقة أفراد عينة الدراسة على الاستبانة بلغ متوسطها (3.184)، وبوزن نسبي (63.68%)، أي ،بدرجة متوسطة، يتبين أن هناك نظرة تشاؤمية متضمنة في تصورات الخبراء، واقترحت المداخلة عددًا من الإجراءات العملية لتوظيف مدخل الدراسات البينية لتطوير بحوث الإدارة التربوية، وأوصت بتبني الإجراءات المقترحة من قبل وزارات التعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات العربية، وكذلك من قبل القيادات الجامعية.
* * *
