📘 مراجعة أكاديمية لكتاب: “لعبة الأمم: الأنظمة الثورية ومشاكل السلطة”
✍️ تأليف: مايلز كوبلاند الابن (Miles Copeland Jr.)
🌍 الترجمة: مروان خير
📖 عنوان الكتاب الأصلي: The Game of Nations: The Russia, Egypt, and the Middle East (النسخة الإنجليزية الصادرة عام 1969 حملت عنواناً فرعياً مختلفاً، لكن النسخة العربية ركزت على الأنظمة الثورية).
📅 تاريخ النشر الأصلي: 1969 (عن دار ويدنفلد ونيكولسون في لندن)
📖 عدد الصفحات الأصلي: حوالي 300 صفحة
🏢 الناشر العربي: دار الحياة للنشر والتوزيع (بيروت) – الطبعة الأولى 2015
📄 عدد صفحات النسخة العربية: 328 صفحة
✅ التصنيف: علوم سياسية – علاقات دولية – استخبارات – تاريخ الشرق الأوسط – الحرب الباردة
🔹 تمهيد
يُعد كتاب “لعبة الأمم” لمايلز كوبلاند الابن واحداً من أكثر الكتب إثارة للجدل في مكتبة الدراسات السياسية العربية والغربية، فهو ليس عملاً أكاديمياً تقليدياً، بل مذكرات سياسية واستخباراتية كتبها أحد كبار ضباط المخابرات الأمريكية (وكالة المخابرات المركزية CIA) الذين عملوا في الشرق الأوسط لعقود. يقدّم كوبلاند رواية داخلية نادرة عن كيفية إدارة واشنطن لعلاقاتها مع الأنظمة الثورية في المنطقة، خاصة في مصر الناصرية، ويكشف عن منطق “اللعبة” الذي تحرك به القوى الكبرى، بعيداً عن الخطابات الأيديولوجية أو الأخلاقية.
ينطلق الكتاب من إشكالية جوهرية: كيف تفهم الولايات المتحدة اللاعبين الإقليميين، وكيف تتعامل معهم، ومتى تفشل حساباتها؟ يجيب كوبلاند بأن السياسة الخارجية الأمريكية لم تكن في جوهرها صراع أيديولوجيات (رأسمالية ضد شيوعية)، بل كانت لعبة براغماتية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار، وضمان النفاذ إلى الموارد، ومنع أي قوة معادية من السيطرة على المنطقة. وفي هذه اللعبة، يكون اللاعبون المحليون – مثل جمال عبد الناصر – أدوات يمكن استخدامها، لكنهم قد يتحولون إلى خصوم مستقلين يصعب السيطرة عليهم.
يمتاز الكتاب بعدة مزايا تجعله عملاً فريداً في بابه:
الشهادة الذاتية: يكتب المؤلف من موقع الفاعل، مما يمنحه مصداقية مختلفة عن الكتابات الأكاديمية البحتة.
الجرأة في الطرح: لا يتردد كوبلاند في وصف سياسات بلاده بأنها “لعبة” قائمة على المصالح، ويتحدث بصراحة عن عمليات التلاعب، والانقلابات، والدعم المقدم للأنظمة السلطوية.
التحليل النفسي والسياسي: يقدّم قراءة معمقة في شخصية عبد الناصر، وطريقة تفكيره، وأدواته في بناء السلطة، مما يجعله مرجعاً مهماً لفهم العقلية الناصرية من منظور غربي.
الأهمية التاريخية: يُعتبر الكتاب وثيقة تاريخية عن فترة حساسة من تاريخ الشرق الأوسط (أواخر الأربعينيات حتى حرب 1967)، ويسلط الضوء على العلاقات المصرية-الأمريكية في أوجها وتعقيداتها.
✅ الفكرة المركزية
تتلخص الفكرة المركزية للكتاب في أن السياسة الدولية هي لعبة معقدة لا تخضع لقواعد الأخلاق أو الأيديولوجيا، بل لحسابات القوة والمصلحة. يعتقد كوبلاند أن الولايات المتحدة، مثل أي قوة كبرى، تنظر إلى العالم كساحة تنافس، وتتعامل مع الدول الصغيرة كلاعبين يمكن استخدامهم، أو توجيههم، أو استبدالهم، حسبما تمليه الظروف. وفي هذا السياق، فإن الأنظمة الثورية التي تظهر في العالم الثالث ليست بالضرورة أعداء، بل يمكن احتواؤها وتوجيهها، شريطة أن تظل ضمن حدود اللعبة.
لكن المشكلة، حسب كوبلاند، تنشأ عندما يكتشف اللاعب المحلي (مثل عبد الناصر) أن بإمكانه لعب اللعبة بمفرده، وأنه ليس مضطراً للبقاء أداة في يد القوى الكبرى. عندها تتحول العلاقة من شراكة تكتيكية إلى مواجهة، ويتحول الحليف السابق إلى خصم. ويرى كوبلاند أن هذا هو ما حدث مع مصر، حيث نجحت الولايات المتحدة في البداية في “صنع” نظام ناصري معتدل، لكنها فشلت في السيطرة عليه بعد أن وجد مشروعه القومي الخاص.
📚 فصول الكتاب الأساسية والمحاور الرئيسية
المحور الأول: مركز “لعبة السلام” في واشنطن
يقدّم كوبلاند تحليلاً للثقافة المؤسسية في دوائر صنع القرار الأمريكي، حيث تُفهم السياسة الخارجية كلعبة استراتيجية لا تخلو من تكتيكات وخدع. يعرض فكرة أن “السلام” نفسه يمكن أن يكون أداة في اللعبة، وليس قيمة مطلقة.
المحور الثاني: تجارب “العمل السياسي” في سوريا (1947–1949)
يستعرض الكاتب تجربة الانقلابات السورية المبكرة كدرس في كيفية تغيير اللاعبين المحليين دون تغيير قواعد اللعبة، ويوضح كيف استخدمت واشنطن أدوات الضغط والمال والتضليل لتحقيق أهدافها.
المحور الثالث: البحث عن “الزعيم الحقيقي” في مصر (1951–1952)
يصف كوبلاند كيف أدركت المخابرات الأمريكية أن النظام الملكي في مصر آيل للسقوط، وبدأت تبحث عن بديل من ضباط الجيش الذين يمكن الوثوق بهم، خاصة الضباط الأحرار الذين كانوا على صلة بالولايات المتحدة.
المحور الرابع: بروز عبد الناصر بوصفه “حليفاً مستقلاً”
يروي المؤلف كيف تم التعرف على جمال عبد الناصر كلاعب واعد، وكيف دعمته واشنطن في البداية، ثم فوجئت باستقلاليته وطموحاته التي تجاوزت الدور المخطط له.
المحور الخامس: الزعيم من نمط ناصر وقاعدته القمعية
يحلل هذا الفصل آليات عبد الناصر في تثبيت سلطته، معتمداً على مزيج من القمع، والأجهزة الأمنية، والتحكم في الإعلام، واعتبار ذلك شرطاً لبناء دولة حديثة من وجهة نظره.
المحور السادس: الزعيم من نمط ناصر وقاعدته البنّاءة
ينتقل كوبلاند إلى أدوات البناء الإيجابي التي استخدمها ناصر، مثل الإصلاح الزراعي، والتأميم، ومشروعات البنية التحتية، وخطاب القومية العربية، ويرى أنها وسائل مكملة للقمع وليست بديلة عنه.
المحور السابع: الحياد الإيجابي كاستراتيجية للضعفاء
يفسّر الكاتب سياسة عدم الانحياز التي تبناها ناصر، ويعتبرها تكتيكاً ذكياً يسمح للدول الصغيرة بالمناورة بين القوى العظمى والاستفادة من تناقضاتها.
المحور الثامن: اتحاد المحايدين وتضخيم القوة النسبية
يوسع الفصل فكرة الحياد الإيجابي لتشمل العمل الجماعي بين الدول غير المنحازة، ويعتبر أن التنسيق الإقليمي يمنح الدول الضعيفة قدرة أكبر على التأثير.
المحور التاسع: الناصرية والإرهاب كأداة ضغط سياسي
يناقش المؤلف استخدام ناصر للقوى غير النظامية (كالفدائيين، والجماعات المسلحة) كأدوات للضغط الإقليمي، معتبراً أن هذه السياسة انتهت بإشعال حرب لا يريدها أحد.
المحور العاشر: مواجهة 1958 وأزمة لبنان
يعرض الفصل لحظة الصدام المباشر بين المشروع الناصري والمصالح الغربية (أزمة لبنان 1958)، وكيف كادت تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
المحور الحادي عشر: التكاليف الداخلية للسياسة الخارجية الناصرية
يحلّل كوبلاند الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تكبدتها مصر بسبب سياساتها التوسعية، ويسلط الضوء على الفجوة بين الخطاب القومي والقدرات الذاتية.
المحور الثاني عشر: التحول من عالم ثنائي القطب إلى عالم متعدد
يناقش الكاتب تحول النظام الدولي وكيف أثر ذلك على قدرة اللاعبين الإقليميين (كناصر) على المناورة، مشيراً إلى أن تغير قواعد اللعبة قد يجعل بعض الأدوار غير ذات صلة.
المحور الثالث عشر: الذروة – حرب حزيران 1967 وما بعدها
يقدّم كوبلاند حرب 1967 كالنهاية التراجيدية للعبة الناصرية، حيث تلاقت الحسابات الخاطئة، والتحولات الدولية، وحدود القوة المصرية، لتكشف هشاشة المشروع القومي أمام اختبار عسكري وسياسي حاسم.
🔍 المغزى الفكري للكتاب
يكمن المغزى العميق للكتاب في أنه يكشف الواقع البراغماتي للسياسة الدولية، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية. يذكرنا كوبلاند أن القوى الكبرى لا تتصرف بناءً على مبادئ أخلاقية، بل وفقاً لحسابات المصالح، وأن الأنظمة الثورية ليست سوى أدوات في لعبة أكبر. كما أن الكتاب يوجّه نقداً ضمنياً للسياسة الأمريكية نفسها، التي غالباً ما كانت تخلط بين الأهداف الاستراتيجية والوهم بقدرتها على تشكيل المنطقة وفقاً لرغباتها.
ويظل الكتاب مهماً للقارئ العربي لأنه يقدّم رواية من الجانب الآخر، ويساعد على فهم كيف نظرت واشنطن إلى ثورة يوليو، ومشروع عبد الناصر، ولماذا انقلبت علاقتها به من الدعم إلى العداء، وكيف ساهمت السياسات الأمريكية (والناصرية) في تهيئة الأرضية لنكسة 1967.
📖 الاستقبال النقدي
⭐ الإيجابيات
المصداقية التاريخية: كوبلاند ليس باحثاً أكاديمياً، بل شاهد عيان وفاعل، مما يمنح كتابه قيمة وثائقية نادرة.
الجرأة والصراحة: لا يقدم الكتاب خطاباً سياسياً مموهاً، بل يعرض السياسة كلعبة قاسية بدون تجميل.
الثراء التحليلي: يقدم تحليلاً عميقاً لشخصية عبد الناصر واستراتيجياته، مما يجعله مرجعاً مهماً لفهم العقلية الناصرية.
الأهمية العربية: الكتاب مترجم إلى العربية، مما يجعله متاحاً للقارئ العربي الذي نادراً ما يطلع على روايات مباشرة من صنّاع السياسة الأمريكية.
⚠️ الانتقادات
الموقف الأيديولوجي: رغم صراحته، يظل كوبلاند رجل مخابرات أمريكية، وكتابه يعكس النظرة الأمريكية للمنطقة، وينظر إلى الحركات القومية كتهديدات يجب احتواؤها لا كتطلعات مشروعة.
التبسيط المفرط: قد يختزل الكتاب السياسة الدولية في لعبة تكتيكية، متجاهلاً البعد الاقتصادي والطبقي والأيديولوجي العميق.
الإغفال المتعمد: من الطبيعي أن يتجنب كوبلاند الكشف عن بعض العمليات السرية، مما يترك فجوات في السرد.
العداء للناصرية: يمكن قراءة الكتاب كرواية معادية لعبد الناصر، تركز على أخطائه دون الاعتراف بإنجازاته التنموية والتاريخية.
👤 نبذة عن المؤلف
مايلز كوبلاند الابن (Miles Copeland Jr., 1916–1991)
ضابط مخابرات أمريكي، عمل في وكالة المخابرات المركزية (CIA) منذ تأسيسها عام 1947.
خدم في الشرق الأوسط لعقود، وشغل منصب رئيس محطة المخابرات الأمريكية في سوريا ومصر (في الخمسينيات).
عمل عن قرب مع شخصيات سياسية مثل جمال عبد الناصر، وأحمد حسين، وقيادات الضباط الأحرار.
بعد تقاعده، تحول إلى كاتب ومحلل سياسي، وكتب عدة كتب ومقالات عن الشرق الأوسط والحرب الباردة.
اتهمته بعض الأوساط العربية بأنه كان جزءاً من مؤامرة لقلب نظام عبد الناصر، لكن كتاباته تكشف عن نظرة واقعية أكثر تعقيداً.
🔚 خلاصة نهائية
يُعد كتاب “لعبة الأمم” لمايلز كوبلاند واحداً من الوثائق البشرية النادرة التي تفتح نافذة على غرف صنع القرار الأمريكي في لحظة محورية من تاريخ المنطقة العربية. يقدّم الكتاب رؤية غير مألوفة عن السياسة الدولية، ويجردها من الشعارات إلى جوهرها كصراع مصالح، ويوضح كيف يمكن لـ”اللاعبين” المحليين أن يصنعوا دوراً مستقلاً يفوق حسابات من صنعوهم.
رغم انتقاداته، يبقى الكتاب قراءة ضرورية لكل من يريد فهم الديناميكيات التي شكلت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة العلاقة الأمريكية-المصرية، وصعود وسقوط المشروع الناصري. وهو أيضاً كتاب يصلح كتحذير للقوى الكبرى من أن “اللعبة” قد تنقلب على من يظن أنه يمسك بخيوطها.

